أساسيات الشعر12 دقائق قراءة

بحور الشعر العربي الـ16 — الأوزان والتفعيلات مع أمثلة من الشعر القديم

شرح بحور الشعر العربي الستة عشر التي وضعها الخليل بن أحمد: وزن كل بحر وتفعيلاته وأبيات تطبيقية من المعلقات وعيون الشعر

بقلم: فريق الشاعر الذكي
كتب ومخطوطات عربية قديمة عن علم العروض والشعر

علم العروض: من أين جاء؟

يُقال إن الخليل بن أحمد الفراهيدي (100-170 هـ) كان يمشي في سوق الصفّارين بالبصرة حين لفتته أصوات المطارق على النحاس — إيقاع متكرر منتظم. فربط بين هذا الإيقاع وبين ما كان يسمعه في الشعر العربي منذ صغره. من هنا بدأ يصنّف الأوزان التي كان العرب ينظمون عليها بالسليقة دون أن يسمّوها.

جمع الخليل خمس عشرة وزنًا (بحرًا) ورتّبها في خمس دوائر عروضية. بعد وفاته أضاف تلميذه الأخفش الأوسط بحرًا سادس عشر هو المتدارك، فاكتمل العدد الذي نعرفه اليوم.

قبل الخليل لم يكن هناك علم اسمه "العروض". الشعراء الجاهليون نظموا على هذه الأوزان بأذنهم فقط. لكن بعد الفتوحات واختلاط العرب بغيرهم، ضعفت الأذن الموسيقية عند كثيرين، فصار لا بد من قواعد مكتوبة تحفظ الوزن من الكسر.

البحور الستة عشر

جمع أبو الطاهر البيضاوي أسماء البحور كلها في بيتين يسهل حفظهما:

طويل يمد البسط بالوفر كاملُ
ويهزج في رجز ويرمل مسرعا
فسرح خفيفا ضارعا يقتضب لنا
من اجتث من قرب لندرك مطمعا

نمرّ الآن على كل بحر: وزنه، وبيت مفتاحه (الذي يحفظ إيقاعه)، ومثال تطبيقي من الشعر.

1. بحر الطويل

فَعُولُن مَفَاعِيلُن فَعُولُن مَفَاعِيلُن × 2

المفتاح: طَويلٌ لَهُ دُونَ البُحورِ فضائلُ

سُمّي طويلًا لأنه لا يأتي إلا تامًّا — لا يُجزأ ولا يُشطر. عدد حروفه في التصريع 48 حرفًا، وهو أطول البحور. أكثر من ثلث الشعر العربي القديم نُظم عليه، وفيه معظم المعلقات.

من معلقة امرئ القيس:

قِفا نَبكِ مِن ذِكرى حَبيبٍ وَمَنزِلِ
بِسِقطِ اللِوى بَينَ الدَخولِ فَحَومَلِ

ومن معلقة زهير بن أبي سُلمى:

أَمِن أُمِّ أَوفى دِمنَةٌ لَم تَكَلَّمِ
بِحَومانَةِ الدُرّاجِ فَالمُتَثَلَّمِ

2. بحر المديد

فاعلاتن فاعلن فاعلاتن فاعلن × 2

المفتاح: لِمَديدِ الشِعرِ عِندي صِفاتُ

بحر قليل الاستعمال عند القدماء. يأتي تامًّا ومجزوءًا. إيقاعه راقص خفيف، يصلح للمقطوعات القصيرة.

قال طَرَفة بن العبد:

لِخَولَةَ أَطلالٌ بِبُرقَةِ ثَهمَدِ
تَلوحُ كَباقي الوَشمِ في ظاهِرِ اليَدِ

3. بحر البسيط

مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن × 2

المفتاح: إِنَّ البَسيطَ لَدَيهِ يُبسَطُ الأَمَلُ

ثاني أكثر البحور استعمالًا بعد الطويل. إيقاعه واسع يحتمل الفخر والرثاء والوصف. سُمّي بسيطًا لانبساط أسبابه — تتوالى فيه الأسباب الخفيفة دون تزاحم.

قال النابغة الذبياني:

أَلَم تَرَ أَنَّ اللَهَ أَعطاكَ سورَةً
تَرى كُلَّ مَلكٍ دونَها يَتَذَبذَبُ

4. بحر الوافر

مفاعلتن مفاعلتن فعولن × 2

المفتاح: بُحورُ الشِعرِ وافِرُها جَميلُ

سُمّي وافرًا لوفور (كثرة) حركاته. إيقاعه حيّ ومتدفق، يناسب الحماسة والعاطفة. كثير الدوران في الشعر.

قال عمرو بن كلثوم في معلقته:

أَلا هُبّي بِصَحنِكِ فَاصبَحينا
وَلا تُبقي خُمورَ الأَندَرينا

5. بحر الكامل

متفاعلن متفاعلن متفاعلن × 2

المفتاح: كَمُلَ الجَمالُ مِنَ البُحورِ الكامِلُ

سُمّي كاملًا لأن فيه ثلاثين حركة — أكثر من أي بحر آخر. إيقاعه جَهْوَري قوي، وهو ثالث أكثر البحور استعمالًا. يصلح لكل الأغراض تقريبًا.

قال المتنبي:

عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ
وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ

وقال عنترة بن شداد في معلقته:

هَل غادَرَ الشُعَراءُ مِن مُتَرَدَّمِ
أَم هَل عَرَفتَ الدارَ بَعدَ تَوَهُّمِ

6. بحر الهزج

مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن (لا يُستعمل إلا مجزوءًا: مفاعيلن مفاعيلن × 2)

المفتاح: عَلى الأَهزاجِ تَسهيلُ

إيقاعه طَرِب غنائي. اسمه من "الهَزَج" وهو نوع من الغناء. قليل في الشعر القديم لكنه محبوب في الأناشيد.

مثال:

غَزالٌ زارَني لَيلًا
فَأَحيا القَلبَ بَعدَ بِلى

7. بحر الرجز

مستفعلن مستفعلن مستفعلن × 2

المفتاح: في أَبحُرِ الأَرجازِ بَحرٌ يَسهُلُ

أسهل البحور وأقربها إلى النثر. سمّاه العرب "حمار الشعر" لأن كل من أراد النظم ركبه. استعمله الرُّجّاز في الحروب والمناظرات والتعليم. كثير من المنظومات العلمية (ألفية ابن مالك مثلًا) نُظمت على الرجز.

قال العجّاج:

الحَمدُ لِلَّهِ الَّذي استَقَلَّت
بِإِذنِهِ السَماءُ وَاطمَأَنَّت

8. بحر الرمل

فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن × 2

المفتاح: رَمَلُ الأَبحُرِ تَرويهِ الثِقاتُ

إيقاعه ناعم متدفق كحبّات الرمل — ومن هنا اسمه. يناسب الغزل والوصف والأشعار الوجدانية. كثير الاستعمال في الشعر الحديث أيضًا.

قال ابن زيدون:

أَضحى التَنائي بَديلًا مِن تَدانينا
وَنابَ عَن طيبِ لُقيانا تَجافينا

9. بحر السريع

مستفعلن مستفعلن مفعولات × 2

المفتاح: بَحرٌ سَريعٌ ما لَهُ ساحِلُ

سُمّي سريعًا لسرعة النطق به. إيقاعه حادّ مقتضب، يناسب الحكمة والوصف المختصر.

قال أبو تمام:

السَيفُ أَصدَقُ أَنباءً مِنَ الكُتُبِ
في حَدِّهِ الحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَعِبِ

10. بحر المنسرح

مستفعلن مفعولات مستفعلن × 2

المفتاح: مُنسَرِحٌ فيهِ يُضرَبُ المَثَلُ

سُمّي منسرحًا لانسراح (سهولة) النطق به. قليل الاستعمال نسبيًّا.

قال ابن المعتز:

أَنا ابنُ مَن ضُرِبَت قُدّامَهُ الأُمَمُ
وَخَطَّ لي المَجدَ أَقوامي ذَوو الهِمَمِ

11. بحر الخفيف

فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن × 2

المفتاح: يا خَفيفًا خَفَّت بِهِ الحَرَكاتُ

إيقاعه رشيق وموسيقي. من أكثر البحور استعمالًا في الشعر الحديث والأغاني. يجمع بين الخفة والسعة.

قال البحتري:

صُنتُ نَفسي عَمّا يُدَنِّسُ نَفسي
وَتَرَفَّعتُ عَن جَدا كُلِّ جِبسِ

12. بحر المضارع

مفاعيلُ فاعلاتن × 2

المفتاح: تُعَدُّ المُضارَعاتُ

من أندر البحور. لا يكاد يوجد في الشعر القديم إلا في شواهد قليلة. يأتي مجزوءًا فقط.

13. بحر المقتضب

مفعولات مستفعلن × 2

المفتاح: اِقتَضِب كَما سَأَلوا

نادر الاستعمال مثل المضارع. إيقاعه قصير مقتطع — ومن هنا اسمه.

14. بحر المجتث

مستفعلن فاعلاتن × 2

المفتاح: أَن جُثَّتِ الحَرَكاتُ

قليل الاستعمال في القديم، لكنه أكثر ظهورًا في الشعر الحديث والموشحات.

قال ابن زيدون:

يا هاجِري هَل تَعودُ
فَلي فُؤادٌ عَميدُ

15. بحر المتقارب

فعولن فعولن فعولن فعولن × 2

المفتاح: عَنِ المُتَقارِبِ قالَ الخَليلُ

سُمّي متقاربًا لتقارب أوتاده — كل تفعيلاته "فعولن" المتشابهة. إيقاعه سردي متدفق. نُظمت عليه الشاهنامة (ملحمة الفردوسي الفارسية).

قال أبو القاسم الشابي:

إِذا الشَعبُ يَومًا أَرادَ الحَياةَ
فَلا بُدَّ أَن يَستَجيبَ القَدَر

16. بحر المتدارك (الخبب)

فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن × 2

المفتاح: حَرَكاتُ المُحدَثِ تَنتَقِلُ

لم يذكره الخليل في دوائره، بل اكتشفه تلميذه الأخفش الأوسط لاحقًا — "تداركه" على أستاذه. إيقاعه سريع نابض يشبه وقع الخيل (ولذلك يُسمّى أيضًا الخَبَب). محبوب جدًّا في الشعر المعاصر والأناشيد.

قال محمود درويش:

عَلى هَذِهِ الأَرضِ ما يَستَحِقُّ الحَياةَ

أي بحر يناسب أي غرض؟

لا توجد قاعدة صارمة، لكن هناك ميول ملحوظة عبر تاريخ الشعر العربي:

  • الفخر والحماسة يميلان إلى الطويل والكامل والبسيط — أوزان طويلة النَّفَس تحتمل القوة
  • الغزل يرتاح على الرمل والخفيف والوافر — أوزان موسيقية ليّنة
  • الرثاء كثيرًا ما يأتي على الكامل والطويل — إيقاع يحتمل الحزن الطويل
  • التعليم والمناظرات تلجأ إلى الرجز — أسهل البحور حفظًا ونظمًا
  • الأناشيد والأغاني تفضّل الهزج والمتدارك — إيقاع طَرِب سريع

لكن الشاعر المتمكّن ينظم في أي بحر لأي غرض. المتنبي مثلًا كتب غزلًا على الطويل وحماسة على الخفيف. القاعدة هي الأذن لا الجدول.

نصيحة لمن يبدأ بتعلم العروض

لا تحاول حفظ الستة عشر بحرًا دفعة واحدة. ابدأ بثلاثة: الرجز (لأنه أسهلها)، ثم الكامل (لأنه أوضحها إيقاعًا)، ثم الطويل (لأن أكثر الشعر القديم عليه). اقرأ أبياتًا كثيرة من كل بحر بصوت مرتفع حتى تستقر موسيقاه في أذنك. التفعيلات وحدها لا تكفي — الأذن هي المعلّم الأول.

بعد أن تتقن هذه الثلاثة، أضف الرمل والخفيف والبسيط. البحور الستة هذه تغطي أكثر من 90% مما ستقرأه أو تسمعه من الشعر العربي. البقية (المضارع، المقتضب، المجتث...) نادرة، ويكفيك أن تعرف أنها موجودة.

المصادر والمراجع

  • ويكيبيديا - علم العروض: https://ar.wikipedia.org/wiki/عروض
  • الخلاصة الوافية في علمي العروض والقافية، مطبوعات إدارة المعاهد العلمية، السعودية

تبي قصيدة تبهرك؟ قل للشاعر وش تبي

كلّم الشاعر

جاهز لكتابة قصيدتك؟

استخدم ما تعلمته وجرب الشاعر الذكي الآن

كلّم الشاعر